الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
346
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
أعظم في نفوس المهاجرين والأنصار من أن يقدموا عليه في حكم حكم به هذا الاقدام ، فكيف بعبيدة مع صغر سنهّ في الحال وضعة قدره ، ولم يكن عبيدة ولا أضرابه من الذين يتجاسرون على الإمام عليه السّلام بهذا المقال ، ولو كان عبيدة صادقا لما أخل ذلك بما قلنا من عصمته عليه السّلام من قبل انه كان رأيه في أيام عمر الا يخالفه في الفتيا خوفا من انتشار الكلمة ووقوع الفساد ، وذلك هو الذي توجبه الحكمة في تدبير الدين واستصلاح الأنام ، فلما أفضى الأمر إليه زال ما كان يخافه فيما سلف من اظهار الخلاف ، فحكم بما لم يزل يعتقده ، كما كان رأي النبي صلّى اللّه عليه وآله في عام الحديبية امضاء أحكام الكفار والكفّ عن حربهم ، ثم زالت العلة الموجبة لذلك عام الفتح ، فرأى حربهم وخلاف ما كان رآه قبل . فأما اعتراض عبيدة في قوله بالردّ ، فهو نظير ردّ الخوارج عليه في التحكيم ، وحرب طلحة والزبير ومعاوية أهل الشام له عليه السّلام ، ولم يخل ذلك بكمال عصمته عليه السّلام ، كما لم يقدح خلاف المشركين للنبي صلّى اللّه عليه وآله وردّهم عليه وحربهم له في نبوتّه وعصمته . ومن اعتمد على ما اعتمد عليه الجاحظ واستاده واشياعهما في هذا الباب فقد وضح جهله وبان عجزه ( 1 ) . وقال - وفي الجواب عن قوله بقضائه في الجد مختلفا - بأنه تخرص منه لاخفاء به ، فلا يحفظ عنه عليه السّلام في الجد الاقول واحد ، ولم يختلف من أهل النقل عنه في ذلك اثنان ، ومن اعتمد على البهت هان امره ( 2 ) . قلت : لعله غلط فيما سمعه من عمر فنسبه إليه عليه السّلام . وقال في الجواب عن خبر الاحراق بأنه من أطرف شيء سمع وأعجبه ، وذلك أن ابن عباس أحد تلامذته والآخذين العلم منه ، وهو الذي كان يقول :
--> ( 1 ) الفصول المختارة 2 : 168 . ( 2 ) الفصول المختارة 2 : 169 .